3 سبتمبر 2016

تملك عائلتي مسجلًا أسود نوع باناسونك منذ عقود. وإذا ما حاولت معرفة عمره الحقيقي فإنك لن تفلح. حملناه معنا بانتقالنا بين المنازل. كان أولًا في صالون المنزل ثم المطبخ ثم غرفتي وها هو الآن في المطبخ مرة أخرى. أذكر في طفولتي أننا كنا -أنا وأخي- نسجل أصواتنا لبيبي* التي تسكن بعيدًا ونبعثها بالبريد. اقترحت أمي هذا الحل حين كانت المكالمات الدولية مكلفة جدًا، وبما أننا -لا نحن ولا بيبي- نشبع من بعضنا البعض. كنا مثقلين بالحديث عن كل شيء، صعوبة الرياضيات، سهولة تكوين الصداقات، فوز فريق أخي بآخر مباراة وشوقنا الجارف لها هي وسيدي. وفرت لبيبي تسجيلات هذا المسجل صوتًا واضحًا لصغارها لا يشوشه سوا نحيبها على بعدهم.

_____
*بيبي : جدتي، ستي، تيتا، أو ببساطة بيبي.

Advertisements

فصل2

21 أغسطس 2016

 

هذا الفصل من حياتي يدور حول قراءة الشعر، مسح الأرض، والكثير الكثير من المقاطع الموسيقية. أشعر بالغضب والحزن معًا، لم يفلح الانشغال التام والعمل الذي تطوعت للقيام به حتى آخر الليل بالتخفيف من حدة الحياة. فتبنيّت هواية جديدة بعد أن اقترح الأصدقاء أن اتبنى قطة، وأنا كما يعرف القلة أخاف القطط، قالوا أن القطة تشغل البال وأن خوفي سيتلاشى وسيتوقف عقلي قليلًا عن القلق. أذكر أن أمي كانت تقول أن تربية القطط ترقق القلب. آخر شيء ينقصني الآن هو رقة القلب. اكتب منذ فترة ولا شيء يخرج كما يجب، أشعر بالغضب والحزن معًا، قلت هذا أعرف. لكنه شعور ملّح. أنا غضبى وحزينة جدًا جدًا، أقول هذا وشعور آخر من الأسى البارد يطوف على وجهي.

في الأمس كنت أقيس مستوى السكر بالدم لسيدة، لم انجح في الحصول على قطرة دم إلا في المحاولة الثالثة، توترت، خفت أن يعرف الطبيب الذي كان يلتفت علي بين حين وآخر ويقول ” do it faster hanoof! faster!” فيوبخني، واعتذرت لها بشدة على كل الألم الذي سببته لكنها ابتسمت وقالت بلطف “شكرًا”. شكرًا؟ شكرًا لي؟ بل والله شكرًا لكِ على تحمل خرقاء مثلي.

أنوي ترقيم فصول حياتي. أي فصل هذا؟ الثاني.. لا بد أن هذا هو الفصل الثاني.

حزين وهش.

4 يونيو 2016

 

لم يعرف لم شعر يومها بالحزن. صوته وصل مطفئًا لصديقه على الطرف الآخر من السماعة. سامر الذي أعتاد خذلان الناس، كسره أن يلغي صديقه موعد العشاء الذي كان أصلًا غداءً لكنه قَبِل تأجيله عدة ساعات وأعاد بمرونةٍ ترتيب جدوله لملاقاته. جدوله كان أصلًا فارغًا. حياته كلها فارغة، فكر. فارغه مثل أنصاف البرتقال بعد العصر، مجوفة وفارغه. تبدو قشرة البرتقال من الجانب متماسكة وكأنها تخفي في داخلها فاكهة غضّة لكنك إن نظرت إليها من الأعلى تكتشف أنها فارغة ومجوفة. بدأت رائحة البرتقال تملئ منخاريه. يذكر أنه تعلم في المدرسة شيئًا عن هذا. أن تثير فكرة ما رائحة لديه أو تثير رائحة ما فكرة في عقله، لا يذكر بالضبط. نسي ما تعلمه في المدرسة. يذكر فقط اللافتة الكبيرة التي تقابله حين يدخل الساحة “واخدم بلادًا أنت من ابنائها إن البلاد بأهلها تتقدم.” كتبها خطاط يسكن نفس الحيّ يقول المدير أنه ضحك عليهم وهو يحلف بحياة زوجته أنه راعاهم بالسعر. سامر يعرف أن الرجال لا يحبون زوجاتهم. وعلى هذا عد حلفه اعترافًا.

لم يعرف كيف يتجاوز حزنه. لو كانت سلمى هنا لقبّلته مئة قُبلة. لكن سلمى ليست هنا وهو متروك وحزين ووحيد وأجوّف. لا يجيد سوى الجلوس في المقهى طول النهار والتهرب من الحساب آخر الشهر. يرى نصف الحظ في أن يجد كرسيًا وحيدًا خاليًا في الحافلة بعد يوم طويل من الجري وراء الرزق. يخيل له دائمًا أن رزقه سيفوز يومًا بمارثون للجري، لا يستطيع اللحاق برزقه، يضحك ويقول أنه لا يستطيع لمحه حتى. سامر هش، يعرف هذا ولا يقوله بصوت عالٍ. لم يبد عليه الحزن حين خسر عمله وقبلها منحة الدراسة. لم يكترث حين كسرت سلمى قلبه. يخبئ حزنه للأمور الصغيرة، الأمور التافهة، كأن يفوت عليه القطار، أو ينسى مفتاحه داخل البيت، أو يلغي صديق موعد العشاء. هنا يقع سامر من طوله على ركبتيه وينتحب كطفلٍ ضائع.

4 حزيران 2016

___________

المعزوفة أول التدوينة لبندر السليمان. سعودي يجيد استخدام اصابعه، مبهر أليس كذلك؟

نوستالجيا

18 أبريل 2016

 

لم أذهب اليوم إلى الجامعة. قضيته في البيت. فكرت في الأمس أنه سيكون تمرينًا جيدًا أن أبقى في البيت. الحضور إلزامي لكنني تغيبت اليوم. يومٌ واحد لا يضر أحدًا. الجو في الخارج سيء، تمطر منذ الفجر. أشعر وكأن أحدهم يقف على حافة السطح ويسكب على شرفتي سطل ماء لا يفرغ أبدًا. أشتاق للصيف، الجو ليس حزينًا هكذا. لا أعرف منذ متى أصبح الشتاء حزينًا بالنسبة لي. أنا الذي كنت ألعن الصيف ودرجة الحرارة وقميصي الذي يلتصق بجسدي. كيف كنت أعود للمنزل لا أطيق الحديث، أجلس تحت التكييف البارد وأدع العرق يتبخر، أنادي على غادة أن تجلب لي كأس ماء أو عصير أو كيس بامية من المجمدة أضعه فوق رأسي ليبرّد علي. أشتاق لأمي ولغادة. أندم أحيانًا على كل الصراخ الذي كنت أفتعله بحقها. مسكينة غادة لم تجادلني يومًا، لم أشعر بوجودها أغلب الوقت. دائمًا صامتة منذ أتت للبيت تحمل حقيبة واحدة. استنكرت الجارات دخول غادة للبيت الذي يمتلئ شُبانًا، لكن أمي لم تبالي. كانت تغفر لي مراقبتي لغادة طويلًا وهي تمسح الأرض تظن إني سأكفر عن هذا بزواجي منها. لكني لم أفعل. يوم غادرت غادة، كانت أمي غضبى، “مش لو اخذتها لبنت خالك كان أحسن من الغريب؟” أنا لم أعلق. لا أدين بتبرير لأحد فلم أعطِ يومًا وعودًا. غادة جميلة، لا نختلف على هذا. شفتاها تشبه زهر الخوخ قلت لها هذا مرةً وهي تجمع الغسيل فاحمرت خجلًا. قلت “أنتِ جميلة” وأرجعت خصلة وراء أذنها. داعبت شحمة الأذن الخالية من الحلق، دفعتني. كانت يداها ضعيفتان ومشغولتان بحمل الغسيل فلم تصنع دفعتها فارقًا. حاولت التملص فقبلتها سريعًا. هربت وتركتك الغسيل على الأرض. لم أرها بعدها، قالت لأمي أنها مرضى وقضت يومين في السرير. وأنا انشغلت ونسيت.

– ثم ماذا؟

ثم لاشيء. غادة جميلة، لكن الزواج بالنسبة لي له طعمٌ مر. علقم. قلت لأمي هذا بعد سنوات. كانت تهدهد طفل غادة في حجرها وتعيد نفس الكلام. “مش لو أخذتها لبنت خالك كان أحسن من الغريب؟”. أمي هذه لمن لا يعرفها تعشق الجدال، دينها وديدنها. عندما أفكر في أمي وتلك الجدالات الطويلة حول ترك السجائر والزواج من غادة أشعر بجفاف في حلقي. أشعر وكأن لساني ملتصق في سقف الحلق من جفافه.

– نادم على هذا؟

الندم جلدٌ للذات. حين أكون نادمًا فأنا أعيش المأساة ذاتها مجددًا، ربما يجب علينا أحيانًا أن نتجاهل ما يحصل، أن نرحب بالفرص الجديدة ونصافح اليد الممدودة لنا. قال أبي هذا حين حزمت حقائبي، أمسك بكتفي وقال لي ألا أندم أبدًا، ألا أحنّ للرجوع أبدًا، أن أصافح اليد الممدودة لي وألا أتركها حتى أستطيع أن أقف على قدمي باتزان. كان آخر يوم رأيته فيه، كان أبي ذو عينين مطفأتين دائمًا، يومها فقط كانتا تلمعان.

– كان فخورًا؟

لا أظن. أظنه كان فقط نادمًا على تجاهل يدٍ مدت يومًا لتصافحه.

 

 

18 نيسان 2016

 

 

في تجاهل المرض

25 مارس 2016

 

 

استيقظت صباحًا، ودعت أبي المسافر بقبلة ووصايا أن يتذكر أخذ الدواء في موعده. تجاهلت ألم العضلات والحلق، تمرنت حتى خارت قواي، صنعت لأمي قهوة وتناولت معها الإفطار. كنست الغرف، مسحت الأسطح الرخامية بخرقة مبللة، مسحت المرايا بمناديل ورقية بحركات دائرية، تركتها كأنها جديدة بلا شوائب، أفرغت سلال المهملات، استبدلت الشراشف بأخرى نظيفة وغسلت الشراشف المستخدمة. أعدت ملئ عجلة الدواء الأسبوعية لأبي، رششت معطرًا على الأسرة المرتبة واشعلت شمعة فواحة. عاد لي الإحساس بالإنفصال عن العالم حين حُجب الصوت عن أذني ثانية، فكرت أن التهاب الأذن عاد وأن المضاد الحيوي الذي استخدمته لأربعة عشر يومًا كما أوصاني الطبيب لم يجد نفعًا. تجاهلته، وذهبت لتفقد الغسالة والرد على رسائل تخص الجامعة وأخذ حمام دافئ. ففي النهاية لا ضير بالانفصال عن العالم لثواني من حين إلى آخر.

 

25 آذار 2016

 

 

 

  • القصة التي لا تكتمل أبدًا. كل جملة تفتح الطريق لأخرى. أما آن لهذه القصة أن تنتهي؟
  • شغفي بالموسيقى وشموع bath and body works الفواحة. الفانيلا نقطة ضعفي.
  • الرواية التي قضيت فيها أشهرًا وها أنا ذا أصل للنهاية وانتبه أن الحبل الذي امسكه بيدي مقطوع. الرواية رائعة لكني لم انتبه في أي صفحة تغيرت حياة سنكلير هكذا! أشعر بالخيبة.
  • غرفتي بإنارتها المنخفضة ليلًا، بشباكها الذي يطل على الشمس، تحتاج لتغيير ترتيب الأثاث مرة أخرى.
  • كل هذا التغيير الذي يطرأ على قلبي دون استئذان أو تمهيد أو إعطاء إحتمالات أو مناقشة للنتائج.
  • كيف ألهي قلبي بضخ الدم أثناء ممارسة الرياضة عن التفكير به.
  • رغبتي بإعادة التواصل مع كل الأصدقاء السابقيين. بعضهم سبق وأن ربط مدونتي ببريده الشخصي منذ سنوات. إذا حصل وقرأت هذا السطر. مرحبا.. كيف الحال؟
  • رغبتي بالسفر وحيدة.
  • رغبتي بشراء بيت صغير خارج البلاد يحتضن الأصدقاء حين يسئمون من حياتهم.
  • شكي بجدوى تخصصي الدراسي.
  • التوق الرهيب للتقاعد والتفرغ للسفر والقراءة.
  • محاولاتي هذه السنة للقيام عن أريكتي المفضلة والمشاركة بشكل فعال في هذه الحياة.
  • انتظار الموافقة على طلب قمت بالتقديم عليه.
  • تفكيري الجدّي بحذف القصة وكتابتها مرة أخرى.
  • حيرتي بشأن نوع السلطة التي يجدر بي أخذها معي غدًا.
  • الطمئنينة التي امتلكتني يوم تركت مواقع التواصل الاجتماعي.
  • حقيقة أني أكبر ولا أكبر. كل من يراني يظنني ابنة السادسة عشر.
  • هوسي بهذا الإقتباس “لم أكن أريد إلاّ أن أعيش وفق الدوافع الحقيقيّة التي تنبع من داخلي، فلما كان الأمر بهذه الصّعوبة؟” لهسه.
  • امتناني للأصدقاء. لوجودهم، لحديثهم، لبيوتهم المفتوحة دائمًا وفناجين الشاي المرافقة لأحاديثنا الطويلة.

 

ملئ بالندوب

27 فبراير 2016

 

المبيض هو العضو الأنثوي المقابل للخصية عند الرجل، قالوا لنا أثناء الدرس، شهريًا تطرأ تغيرات هرمونية على جسد المرأة تساعد في تكون بويضة وإفراز الإستروجين. حين ينتصف الشهر تنبثق هذه البويضة من جسد المبيض –ليس عن طريق قناة-  مخلفة وراءها ندبًا. الندب لا يشفى ولا يختفي، يضل طول العمر. إذا ما بلغت المرأة سن اليأس ينكمش المبيض ويتوقف عن العمل ولا يضل سوا تلك الندوب، وبعض الأطفال إن انجبت، شاهدًا على خصوبته.

لا أنوي تحويل هذه التدوينة لدرسٍ في علم الأحياء، ما أحاول قوله أنه حين خرج من قلبي ترك وراءه ندبًا يشبه ما تتركه البويضات على المبيض. ندب لا يطيب ولا يختفي، يضل هناك في منتصف القلب شاهدًا على حبه.