فصل آخر

15 أبريل 2017

 

كانت سلمى تقشر البيض المسلوق في الثانية صباحًا حين داهمها صوت هاتفها المحمول معلنًا وصول رسالة. اربكها الصوت، جاء عاليًا، قاطعًا عليها الصمت. تركت البيضة نصف مقشورة بالصحن ومسحت اصابعها بسرعة لتقرأ نص الرسالة، لم تكن من سامر، أراحها ذلك، تطمئنها فكرة أنه نسيها. تسكن وحيدة منذ افترقا ولا تعرف كيف تسكت القيل والقال، أمها ذاتها لا توفر جهدًا في لومها على ما حصل. يوم سمعت الخبر تركت الغداء على نار هادئة وأوصت زوجها بأن يدير عليه بالًا، وصلت للبيت ولم ترفع اصبعها عن الجرس حتى ظهرت سلمى من فتحة الباب، بادرتها “خربتي بيتك؟” تنهدت سلمى “كان مخروب من الأساس” وفتحت الباب كاملًا لتدلف أمها إلى الداخل.

كلاهما صمتَ بشأن الانفصال لكن الناس لا ترحم، تضل النسوة يحكينَ القصة كما يحكن كنزاتٍ صوفية، بهدوء وحرص وتوقٍ لاستكمالها. اسمه سامر وله عينان لطالما وصفتهما سلمى بأنهما “أجمل زوج عيون بالعالم” يبدو وصفًا مستهلكًا، بيد أن عيناه كانتا تلمعان حين تقول له ذلك. مر ما يزيد عن العام ولم تعتد وحدتها بعد. فاجئتها الوحدة. كان سامر دائمًا حولها حتى قبل أن يرتبطا. تراه في رأس الشارع أو عند باب الكليّة، واقفًا بتأهب دون أن يسند ظهره للجدار، يداه في جيوبه كمن يتنزه أمام البحر. لم تفهم يومًا كيف له أن يجمع المتناقضات، كيف يبدو متأهبًا كجندي ومرتاحًا كسائح. لشهور ضل يركز عينيه في عينيها، دون أن يقول لسانه كلمة، لم يحتج لأن يقول شيئًا، الناس لاحظت وبدأت تثرثر، ابن الشيخ ناصر مغروم بابنة الحلواني. وصل الكلام لأمها فلم تحبذ الإنتظار، دخلت إلي غرفة سلمى قبل أن تنام وقالت “متى ناوي يخطب؟” فلم تدرِ سلمى ما تقول.

تنهدت بصوتٍ عال وهي تحذف الرسالة النصية، إعلان آخر من شركة الإتصالات. لم تحاول لا هي ولا سامر إصلاح الأمر، لا تزال جراحهما راعفة، تبادلا الإتهامات والشتائم، صرخت هي وكسر هو فازا كانت تزين الرف. قالت له أنه توقف عن حبها، فلم يدافع عن نفسه، خرج وترك لها المنزل. جاء بعد ثلاثة أسابيع ليناقش معها موضوع الإنفصال النهائي. كانت تهم بالخروج للعمل، بدت غير مكترثة وقالت له أن يفعل ما يريد، ستبقى هي بالمنزل تدفع الإيجار من راتبها الشهري. تخرجت صيدلانية ولا تفهم كيف انتهى بها الحال ببيع مراهم لالتهابات حفائظ الأطفال وواقياتٍ ذكرية، لكن هذا محتملٌ في سبيل بعض الإستقلال المادي. كانت سابقًا حين تنهي العمل تقضي قبيل المساء في المكتبة الصغيرة التي يملكها سامر، تروح تطالع الأرفف وتمسح ما علق فيها من غبار، لا قرّاء عادة، تأتِ أحيانًا بعض الفتيات لحل واجبٍ مدرسي، عدا هذا تضل سلمى تطالع الكتب حتى تغرب الشمس، فتتمطى كقطة وتقفل المكتبة في طريقها للمنزل.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بعد انفصالهما وجدت في بريدها رسالة من سامر يستشيرها بشأن بيع المكتبة تعللّ بأنه مشغول وبأن العرض مغري وختم الرسالة بقوله ” تعرفين.. لا أحد يقرأ هذه الأيام” وافقت متجاهلة حزنها، فكّرت أنه لم يعد يريد شيئًا يذكره بها. مرت أمام المكتبة يومًا وهي عائدة من العمل ورأت أن المالك الجديد غيّر توجهها، أغضبها ذلك، لامت سامر في خاطرها، قالت لنفسها أن ما فعله أشبه بإجهاض طفلهما.

مر ما يزيد عن العام و سلمى لا تزال تشعر بالخواء، أن صدرها مكان بارد وفارغ. تخرج كثيرًا، تثيرها الأحاديث، وأحيانًا تضحك بصخب، غير أنها لا تزال خائفة وغضبى وحزينة جدًا.

تمت.

هنوف

15 نيسان 2017

Advertisements

شي كلمه : )

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: