عن التذكر

28 سبتمبر 2016

 

لاحظت في الفترة الماضية أني اكمل آيات القرآن التي استمع إليها في المذياع غيبًا. حصل هذا تقريبًا كل صباح وأنا أعد الإفطار. ليست آيات أعرفها غالب الوقت بل من سور طويلة لا أتذكر حفظها، أمي لاحظت هذا وابتسمت قائلة أنه يبدو أنني احفظ أكثر مما أدعي. درست في طفولتي في مدرسة لتحفيظ القرآن تطل نوافذها الزجاجية -التي لا تفتح بسهولة- على البحر. لم يكن هذا لأن والداي متدينان أو يملكان مالًا إضافيًا كما كان الحال مع أغلب رفقتي ذاك الوقت، بل حصل ببساطة لأن أمي كانت تعمل هناك، بعدها بثمان سنوات جمعت أمي متعلقاتها في صندوق من الكرتون حملته بيد وامسكت يدي الصغيرة بيدها الحرة وغادرنا المكان. أذكر تلك المدرسة، أذكر أن الفسحة كانت تنتهي قبل أن انتهي من الركض في ساحتها الواسعة. اذكر قوانين الدرج، تصعد إلى جهة اليمين وتنزل إلى جهة اليمين لئلا يصطدم النازل بالصاعد. اذكر حماماتها النظيفة المشبعة برائحة المطهر، وسجاد المصلى الوبريّ الناعم جدًا لدرجة أن القيام من عليه كان مشقة. حين أفكر بتلك المدرسة أقول أني قضيت طفولة حلوة، لكني –أقولها بأسف بالغ- لا اتذكر اي شيء مما استذكرته وقتها ولا أعرف كيف يخالفني عقلي الرأي ويرسل للساني إشارات عصبية تجعله ينطق بما يكمل الآية. كأنها ،حتى وإن لم اتذكر ذلك، تقبع هناك في إحدى تلافيف دماغي الذي لا يتوقف عن التذكر.

ترهبني ذاكرتي أحيانًا، ترعبني قدرتها على تذكر مواقف غابرة. هناك غشاوة من الضباب على الوجوه والأسماء، لكني أتذكر أمورًا حصلت بتفاصيلها. أذكر مثلا أني كنت أرتدي تنورة حمراء وتي شيرت أبيض برسمة غيوم ورينبو في عزاء جدي حين كنت في الثامنة. أذكر الأحضان الطويلة التي حضيت بها، وأن أجساد من أتو وعزوا كانت تتقوس والركب تثنى ليستطيعوا الوصول لوجه البنت الصغيرة وطبع قبلة مواساة على جبينها. هذا الفعل، التذكر أعني، يضيف إلى شقائي اليومي، يجعلني أروح أفكر في أمور منتهية أصلًا. أمور لن تتغير، الناس الذين خرجوا لن يعودوا، لن يطرقوا الباب، لن نراهم في زواية الطريق مرة أخرى، ولن نعرف يومًا أخبارهم. أن أتذكر يعني أن أفكر، أن أحسب الاحتمالات وأنا لبؤسي وسوء حظي أجيد الرياضيات. كان التفكير بالنسبة لي دوامة أرق، ثقبًا أسود، فِعلًا يجعلني أضيع الوقت. لكني لا أريد هذا ولا لأعدائي. أريد أن استيقظ واجعل يومي يمر بسلام، أن يقتصر تفكيري على جواب لسؤال طُرح في الجولة الصباحية، أن أجد مواقع هادئة للدراسة في هذا المبنى الذي لا يتوقف من فيه عن الحركة، أريد أن احفظ مخارج الطوارئ هنا، إلى أين تؤدي كل إلتفاته، أقصر طريق للوصول للمواقف، وأفضل مخبز يمكنني الحصول منه على ألذ شطائر فلافل ساخنة. ماذا يقولون؟ نعم، أريد بالًا هادئًا ومزاجًا رائقًا هذا ما أريده.

28 أيلول 2016

 

Advertisements

شي كلمه : )

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: