نوستالجيا

18 أبريل 2016

 

لم أذهب اليوم إلى الجامعة. قضيته في البيت. فكرت في الأمس أنه سيكون تمرينًا جيدًا أن أبقى في البيت. الحضور إلزامي لكنني تغيبت اليوم. يومٌ واحد لا يضر أحدًا. الجو في الخارج سيء، تمطر منذ الفجر. أشعر وكأن أحدهم يقف على حافة السطح ويسكب على شرفتي سطل ماء لا يفرغ أبدًا. أشتاق للصيف، الجو ليس حزينًا هكذا. لا أعرف منذ متى أصبح الشتاء حزينًا بالنسبة لي. أنا الذي كنت ألعن الصيف ودرجة الحرارة وقميصي الذي يلتصق بجسدي. كيف كنت أعود للمنزل لا أطيق الحديث، أجلس تحت التكييف البارد وأدع العرق يتبخر، أنادي على غادة أن تجلب لي كأس ماء أو عصير أو كيس بامية من المجمدة أضعه فوق رأسي ليبرّد علي. أشتاق لأمي ولغادة. أندم أحيانًا على كل الصراخ الذي كنت أفتعله بحقها. مسكينة غادة لم تجادلني يومًا، لم أشعر بوجودها أغلب الوقت. دائمًا صامتة منذ أتت للبيت تحمل حقيبة واحدة. استنكرت الجارات دخول غادة للبيت الذي يمتلئ شُبانًا، لكن أمي لم تبالي. كانت تغفر لي مراقبتي لغادة طويلًا وهي تمسح الأرض تظن إني سأكفر عن هذا بزواجي منها. لكني لم أفعل. يوم غادرت غادة، كانت أمي غضبى، “مش لو اخذتها لبنت خالك كان أحسن من الغريب؟” أنا لم أعلق. لا أدين بتبرير لأحد فلم أعطِ يومًا وعودًا. غادة جميلة، لا نختلف على هذا. شفتاها تشبه زهر الخوخ قلت لها هذا مرةً وهي تجمع الغسيل فاحمرت خجلًا. قلت “أنتِ جميلة” وأرجعت خصلة وراء أذنها. داعبت شحمة الأذن الخالية من الحلق، دفعتني. كانت يداها ضعيفتان ومشغولتان بحمل الغسيل فلم تصنع دفعتها فارقًا. حاولت التملص فقبلتها سريعًا. هربت وتركتك الغسيل على الأرض. لم أرها بعدها، قالت لأمي أنها مرضى وقضت يومين في السرير. وأنا انشغلت ونسيت.

– ثم ماذا؟

ثم لاشيء. غادة جميلة، لكن الزواج بالنسبة لي له طعمٌ مر. علقم. قلت لأمي هذا بعد سنوات. كانت تهدهد طفل غادة في حجرها وتعيد نفس الكلام. “مش لو أخذتها لبنت خالك كان أحسن من الغريب؟”. أمي هذه لمن لا يعرفها تعشق الجدال، دينها وديدنها. عندما أفكر في أمي وتلك الجدالات الطويلة حول ترك السجائر والزواج من غادة أشعر بجفاف في حلقي. أشعر وكأن لساني ملتصق في سقف الحلق من جفافه.

– نادم على هذا؟

الندم جلدٌ للذات. حين أكون نادمًا فأنا أعيش المأساة ذاتها مجددًا، ربما يجب علينا أحيانًا أن نتجاهل ما يحصل، أن نرحب بالفرص الجديدة ونصافح اليد الممدودة لنا. قال أبي هذا حين حزمت حقائبي، أمسك بكتفي وقال لي ألا أندم أبدًا، ألا أحنّ للرجوع أبدًا، أن أصافح اليد الممدودة لي وألا أتركها حتى أستطيع أن أقف على قدمي باتزان. كان آخر يوم رأيته فيه، كان أبي ذو عينين مطفأتين دائمًا، يومها فقط كانتا تلمعان.

– كان فخورًا؟

لا أظن. أظنه كان فقط نادمًا على تجاهل يدٍ مدت يومًا لتصافحه.

 

 

18 نيسان 2016

 

 

Advertisements

One Response to “نوستالجيا”

  1. Maha Says:

    هنوف ،

    أحب الذي يحدث لروحي حين أقرؤكِ فأنتِ تهبّين رياحًا جمالية تحرك شباك قلبي.

    يا رفيقة السنوات الطويلة، فليغمر السلام قلبكِ و لتسبري غور الحياة بطمأنينة و توفيق و حب و إقدام..

    واصلي الكتابة و اكتبي نيابة عني فأنا نسيتُ الكتابة أو صلي لأجلي حتى أعود..

    محبتك منذ قديم الزمان
    مها


شي كلمه : )

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: