حين فاض العمر

23 نوفمبر 2012

العزيز علي، تحية طيبة

لا أعرفك، ولا أعرف كم سنة مرت على وفاتك لكنها قطعًا أقل من العشرين. في حفل الزفاف حين هم العروسان بأخذ صورة جماعية مع الأصحاب آثرت –لسبب لا أعرفه- أن تقف في الركن، وأن تدع الجميع –الجميع حرفيًا- يطوق العروسين، الرجال ببدلٍ رسميّة وأحذية لامعة من الجلد، والنساء بمجوهراتهن البراقة يرتدين الفساتين الملونة والكعوب المسرفة بالطول، إلى الآن لست أفهم، كيف استطاعت آلة التصوير التقاطك أيها الرجل الشاحب رغمًا عن نضرتهم؟ يومها، لم وقفت بالركن؟ هل كنت تعرف عن مصيرك القريب فآثرت أن لا يفكر أحد بـ”عليّ” الميت وهو يتصفح صور العرس؟

الحياة لا تزال بسيطة، ولا أدري إن كان الأمر هكذا على حياتك، لكني حقًا لست أفهم، لم يجد البشر صعوبة في فهم الحياة؟ الحياة بسيطة، بسيطة جدًا، على عكس البشر الذين هم في منتهى التعقيد، كنت أتحدث مع إحدى الفتيات منذ فترة، عند نهاية الحديث ابتسمت وكتبت لي رقم هاتفها المحمول في قصاصة، وهذه يا علي طريقة لقول “لنتواصل، وربما يحدث ما هو أفضل. أن نصبح أصدقاء” الحياة تخبرنا أن التواصل هو جسر للعلاقات وأن العلاقات –كل العلاقات- تؤدي إلى مصاعب نفسيّة واضطرابات عاطفية وربما ما هو أسوء، مشاكل في الهضم، رغم هذا يصر البشر على الدخول بتلك العلاقات، ألم أقل أن البشر شديدو التعقيد ولا يفهمون بساطة الحياة؟

دعني أخبرك بأمر آخر، ستتزوج زميلتي السورية نهاية هذا العام وقد تنتقل للعيش في كندا، ولا أدري ما إذا كنت حزينة لفقدها أم لفقد “معلمي” الذي يقوّم لساني لأتحدث كما لو كنت من دمشق. كان يومًا حارًا أظنه من أيام أغسطس لست أذكر تحديدًا كنت أجلس على إحدى المقاعد الخشبية وأسند رأسي لظهره، بعينين مغمضتين، أتقبل الهواء الساخن، بلا سخط، أشعر بأوردة وجهي تتمدد، وبالدم يسري فيها بكثافة، وبالحمرة تصبغ وجنتي، تحدثت معها حول العرس قالت كلامًا كثيرًا يومها أتذكر أنه انتهى بهذه العبارة الحاسمة “بس أنا بدي أتجوز بالشام!!”. عند هذه النقطة دعوتها للجلوس بجانبي والاستمتاع بتيار الهواء الساخن وأخذت أحدثها عن وجوب انتهاز هذه الفرصة فقد يكون هذا آخر صيفٍ تقضيه في دولة عربية. هكذا استراحت لأني أؤمن بإمكانية زواجها في دمشق رغمًا عن ما يحيط بدمشق، وتركتها تسرح فيما أظن أنه كان “العرس العائلي البسيط في دمشق” في ذلك اليوم عرفت شيئًا جديدًا عني، أنا أكره الاستقرار، ولن أخطو خطوة مجنونة كالزواج في هذه السنوات ولا السنوات التي تليها. بل وأشفقت عليها وأنا أفكر بكل ما سيفوتها إن تزوجت الآن.

أمر آخر، هذه المرة لم أكن أتحدث مع أحد، كنت أفكر بالعمر، العمر العمر، في كل شتاء أفكر بالعمر، فكرت بأجسادنا وأفكارنا التي تتغير تحت وطأة العمر، وبطريقة لا نصبح فيها عبيدًا لمخاوفنا التي تتغير أيضًا تحت وطأة العمر، هل تعلم أني أصم أذني عند سماع صوت الطيارات؟ وتجتاحني الرغبة بالبكاء كلما فكرت بكم؟ أخبرني أنت، بعد الموت، هل تبدو الأشياء مخيفة كما كانت؟ هل تبدو الأشياء سخيفة كما لم تكن؟

علي، أتمنى لو أتوقف عن التفكير بك وبأنعام وحازم وثامر ومحمد وعن مصير صديقة العائلة اليهودية -هل ذهبت حقًا لإسرائيل أم إلى أمريكا؟- وتلك الأوروبية جارة جدتي وذلك الرجل الضاحك الذي هرول ورائنا في الأردن وهو يمسك بحذائي الذي سقط وكل أولئك الذين أسمع عنهم وكانوا جزء من حياتي دون أن أتذكرهم، لأني أخلط بين ما حدث حقًا وبين ما تخيلت حدوثه فتغدو الكتابة عنكم أمرًا مرهقًا وأنا أحاول الفصل بين خيالي الخصب وحياتي القاحلة. دعك مني، ماذا عنك؟ اكتب لي عن بساطة الموت إن استطعت، وقد أخبرك سرًا بالمقابل.

كل الحب

Advertisements

2 تعليقان “حين فاض العمر”


  1. أعتقد أن ما سيصلُ إليكِ من علي , سيكونُ مختلفاً نوعاً ما كفكرة عما تنتظرين , فطعم الموت وحتى الموت نفسه يختلف في حضوره – من شخص إلى آخر – وإن كان يتشابه في الشكل العام , كذلك أعتقد أن الموت هذا الملموس , بسيط وسهل وسريع على عكس ميْتاتٍ أخرى أكثر تعقيد وصعوبة وبطيء ! , تلك الميتاتُ ’’هنا‘‘ , ’’فوق الأرض وتحت الشمس‘‘ مجازاً , حيث يكون الواحد في إنتظار الموت الذي لا يجيء , ويكون في إنتظار الحياة التي لن تعود ! , إنه البرزخ الأرضي يا صديقتي.

    كوني بخير ذات الأماني الطيبة
    تقديري الكبير جداً.

  2. saltytears Says:

    “أخبرني أنت، بعد الموت، هل تبدو الأشياء مخيفة كما كانت؟ هل تبدو الأشياء سخيفة كما لم تكن؟”

    هنوفتي..
    أحب العمق في حرفك..

    هنوف: تلك الصبية المشاغبة الهادئة التي تتحدث عدة لهجات و تستمتع بموسيقى الرحباني. هي طيرٌ محلقٌ لا يؤمن بالحدود الجغرافية التي يخطها الوطن. تطير فوق الأيديولوجية المحلية و تكره الكعب العالي و حين تحدق في عينيها لتعرض عليها آخر صيحات أقلام الكحل كمثيلاتها من الفتيات ، تغرق في عمق روحها و تجد نفسك تعوم في كتاب كان يرقد في حضنها. هي هنوف المتمردة بهدوء.. هي هنوف الملونة الروح.. هي ذات الأماني الطيبة كما يقول الشاعر يعقوب زرقاني : )

    أقحونة و اعتذار على تقصيري في الهطول هنا.
    مها


شي كلمه : )

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: